الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
86
نفحات القرآن
وقوله تعالى : « هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ » . ( يونس / 52 ) وهناك تعابير أخرى من هذا القبيل بشيء من الاختلاف ، وبناءً على ما جاء في ظاهر هذه الآيات فإنّ جزاء الإنسان نفس عمله ، فأعماله ترجع إليه فتكون سبباً إمّا في شقائه ومعاناته وإمّا في سعادته وسروره ، وهذا دليل واضح على مسألة تجسّم الأعمال وعودتها إلى صاحبها وهذا من العدل الإلهي . وقد اعتبر بعض المفسّرين أنّ ( الباء ) هي باء السببية فيصبح المعنى : « بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » أي إنّما تجزون بسبب الأعمال التي اقترفتموها « 1 » . في حين أنّ هذا التعبير على خلاف ظاهر الآية وهو غير جائز من غير دليل ولا علة للتقدير في الآيات السالفة الذكر ، فما المانع من أن تحضر هناك نفس أعمال الإنسان لتشكل القسم الأعظم من جزائه . يقول المرحوم العلّامة الطباطبائي في تفسير الميزان في ذيل الآية 7 من سورة التحريم : « أي إنّ العذاب الذي تعذبون به هو عملكم السيء الذي عملتموه وقد برزت لكم اليوم حقيقته » « 2 » . يتضح من مجموع الآيات التي تعرضنا إلى تفسيرها أننا إذا لم نتلاعب بظواهرها ولم نؤولها أو نحملها على معنى آخر ولن نقدر لها أي تقدير كجملة أو كلمة ، وبتعبير أوضح إن فسّرنا ظواهر الآيات كما هي عليه اتّضح لنا أنّ أعمالنا تتجسد في يوم القيامة وفي محكمة العدل الإلهي أو المواقف الأخرى من ذلك اليوم ، فتتجسّم وتبرز أمامنا بأشكال تناسب تلك الأعمال فتظهر السيئة على صورة موجودات قبيحة مخيفة ومزعجة ، أمّا الصالحة فتتجسد على صورة موجودات لطيفة مؤنسة وتكون قرين الإنسان .
--> ( 1 ) . قدر البعض كلمة ( على ) فيصبح المعنى ( على ما كنتم تعملون ) . ( 2 ) . تفسير الميزان ، ج 19 ، ص 388 .